شهدت الساحة مؤخراً نقاشات مطولة ومثيرة بعد أن أقدمت جامعة الملك سعود على إلغاء القبول في تخصصات العلوم الإنسانية ثم عادت لتمتص حماس أنصار هذه العلوم بالتراجع عن قرارها مؤقتا. تجدون هنا مقتطفات من فصل يتناول هذه الأزمة في كتاب جديد صدر للتو ويمكن الحصول عليه من فروع مكتبة الرشد بالمملكة في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة والرياض وبريدة وحائل، كما يمكن طلبه إليكترونيا من أي مكان من خلال موقع دار النشر rushd.sa وفي المعارض الدولية للكتاب ومنها معرض الدوحة الدولي للكتاب الجاري حاليا. الكتاب محاولة في الوصول إلى رؤية تربوية إسلامية في المنهج من خلال اشتقاق مبادئ عامة ومعالم يستضاء بها في تلمّس الطريق الطويلة نحو منهج ينطلق من ثقافة إسلامية وعربية. الكتاب متاح ورقياً فقط.
هنا، جزء من مقال في الفصل الخامس من الكتاب والذي يتناول الذكاء الصناعي والعلوم الإنسانية:
انخفض معدل قبول الطلاب في قسم اللغة الإنجليزية في جامعة أريزونا الأمريكية منذ عام 2012 إلى ما قبل اندلاع أزمة كورونا من 953 طالباً إلى 578 طالبا. تعتبر جامعة أريزونا منارة الديموقراطية في التعليم الجامعي الأمريكي إذ تضمّ أكثر من 80 ألف طالب نصفهم ينتمون إلى الأقليات، ونسبة الأستاذ إلى الطالب فيها أفضل من جامعة بيركلي الشهيرة. يعتبر الطالب الذي يدرس الأدب الإنجليزي في هذه الجامعة محظوظاً إذ يضم قسم اللغة الإنجليزية 71 عضو هيئة تدريس، بما فيهم 11 أستاذاً في أدب شكسبير فقط، وفي عام 2021 حصل اثنان من أعضاء هذا القسم على جائزة بوليتزر الأدبية المرموقة.
رغم هذه الحقيقة، يقول سانجاي سارما وهو أحد أساتذة الهندسة الميكانيكية في أشهر معقل للعلوم الطبيعية والتقنية وهو معهد ماساشوستس للتقنية MTI إن المستقبل للعلوم الإنسانية.
ولعل عالم النفس ذائع الصيت جيروم برونر والذي قضى عمره منذ مطلع القرن العشرين في دراسة المناهج وطرق التدريس (توفي 2016) هو أشهر العلماء الذين اعترفوا بخطأ التركيز على العلوم الطبيعية وتجاهل العلوم الإنسانية وأنه كان لابد من الاهتمام بالعلوم الاجتماعية والتاريخ والأدب لأنها “الموضوعات الأقرب إلى الحياة، الأقرب إلى الطريقة التي نعيشها” كما يقول.
وليس الأمر يقتصر على برونر فقط وإنما الكثير من علماء المنهج عبّروا عن ذلك صراحة إذ يقولون إننا نحرم الأطفال من خدمة يحتاجونها بشدة عندما نهمّش هذه العلوم وخاصة الآداب، كالشعر والقصة والرسم على سبيل المثال، ونقلّصها أونلغيها من الجدول الدراسي لأن هذه العلوم ليست لإضفاء المتعة فقط وإنما تساعد على تنمية مهارات التفكير لدى الصغار والكبار وتوسيع آفاقهم وفهمهم بطريقة لا توفّرها العلوم الأخرى. الحياة ليست اختباراً يستخدم أسلوب الاختيار المتعدد كما تحاول الاختبارات المعيارية في العلوم والرياضيات أن تخبرنا. العلوم الإنسانية تتيح للمتعلّم الإبداع باستخدام خياله ليتجاوز المعرفة الرقمية التي تقول إن هناك إجابة واحدة للسؤال أو حل واحد للمشكلة. هناك أكثر من حلّ للمشكلات التي نواجهها والفارق بين أيها الأفضل يكون في الفرق بين الخبرات التي عشناها. العلوم الإنسانية تقدّم تجربة مختلفة ومعرفة ثرية تتجاوز الأرقام والمعاني الحرفية. نحن نعبد الله كأننا نراه ولا نحتاج أن نراه، لأن هذا فوق طاقتنا، لكي نصدّق أنه موجود كما تحاول العلوم الطبيعية والتقنية أن تقنعنا.